نبذة عن أسرة القرعاوي

..

فضيلة الشيخ عبد الله بن محمد بن حمد القرعاوي ( 1315- 1389هـ ) نسبه: هو عبد الله بن محمد بن حمد بن عثمان بن علي بن محمد بن نجيد القرعاوي ثم النجيدي ثم المصلوخي ثم العنزي , فهو من آل القرعاوي عشيرة من آل نجيد الذين هم من المصاليخ الذين هم بطن كبير من قبيلة عنزة بن أسد بن ربيعة بن نزار بن معد بن عدنان فهي قبيلة من ربيعة العدنانية . أما نسبته إلى ( القرعاء ) فإنّ جده (حمد) سكن القرعاء من قرى القصيم الشمالية وجاء إلى عنيزة فصار أهلها يسمونه ( القرعاوي ) نسبة إلى هذه القرية بعد أن كان لا يعرف إلاّ ( بمحمد بن نجيد ) نسبة إلى جده الأول , وبقيت هذه النسبة في ذريته من بعده يسمون بهذا الاسم حتى الآن . مولده ونشأته: ولد في عام 1315هـ في بلدة عنيزة , ونشأ فيها , وربي في كفالة والدته , ورعاية عمه ( عبد العزيز بن حمد القرعاوي) وهو أحد وجها مدينة عنيزة وأعيانها . لقد نشأ عبد الله في مدينة عنيزة , وأخذ يمارس التجارة من حداثته , وعمه يوجهه ويرشده , ثم صار له ميل لطلب العلم , فقرأ القرآن وحفظة عن الشيخ سليمان بن دامغ( المقرئ الشهير ) , كما أخذ عن الشيخ عبد الله بن محمد آل مانع . رحلاته في طلب العلم: رحل إلى بريده فتلقى العلم عن الشيخ عبد الله بن سليم , وعمر بن سليم , وأخذ عن الشيخ صالح بن عثمان والشيخ سليمان العمري , ثم ترك التجارة وانصرف إلى طلب العلم . ثم رحل إلى الهند للتزود من العلم وذلك عام 1344هــ , والتحق بمدرسة (الرحمانية ) بدلهي , وتلقى فيها علم الحديث عن علماء السنة في الهند فلما جاء خبر مرض والدته بعد سنة من وصوله إلى الهند عاد إلى عنيزة ولكنها توفيت قبل وصوله . ثم جد في طلب العلم , وصار يقوم برحلات إلى العلماء الكبار في أوطانهم وأمكنة أعمالهم , ثم يعود إلى بلده عنيزة , فرحل إلى بريدة للأخذ عن علمائها , كما رحل إلى الرياض وأخذ عن سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم , ثم سافر إلى مكة وتعلم الخط والحساب بمدرسة ( الحلوني ) , كما رحل إلى ألاحسا وأخذ عن قاضيه الشيخ عبد العزيز بن بشر , ثم رحل إلى قطر فأحذ عن العلامة الشيخ محمد بن عبد العزيز بن مانع , ثم رحل إلى المجمعة فقرأ على الشيخ عبد الله العنقري , ورحل إلى مصر وفلسطين والشام طلباً للعلم , ثم عاد عام 1355هـ إلى الهند لإكمال دراسته , فتلقى علم الحديث , و التفسير , واللغة العربية والتوحيد , والفقه , والتاريخ , والإنشاء , والإملاء , والخط , والحساب عن الشيخ أحمد الله بن أمير القرشي الدهلوي , وحصل على الإجازة من شيخه , ثم عاد سنة 1357هـ . مدارس القرعاوي: لما عاد من الهند عام 1357هـ في رحلته الأخيرة شرع في القراءة على شيخه الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ , فسمع في مجالس شيخه حالة الجهل المطبق والظلام الدامس في جنوب المملكة العربية السعودية , ومما قال عن نفسه في هذا الشأن ? فاستخرت الله تعالى واستشرت شيخي بالتوجه إلى تلك المنطقة , فاستحسن ذلك وأوصاني بتقوى الله ودعا لي وودعته , وحججت ذلك العام وتوجهت إلى صامطة) وكان حينها قد التقى الملك عبد العزيز بتوجيه من أستاذه ابن إبراهيم , لكي يبين له ما عزم عليه ويطلب موافقته على ذلك . و من صامطة كانت البداية , حيث استوطن بها , وأنشأ بها أول مدرسة من مدارسه في ربيع الأول عام 1358هـ , وبدأ من ذلك العام بتعليم القران الكريم , وثلاثة الأصول , والأربعين النووية , والتجويد والفرائض . وفي آخر جماد الأولى من العام نفسه افتتح مدرسة أخرى في فرسان , ثم مدرسة أخرى في قرية مزهرة , وفي آخر شهر شعبان نقل مدرسته من صامطة إلى بيت أحد طلابه , وقد قام الشيخ القرعاوي بإعادة بناء هذا المنزل من الخشب والجريد والحشيش ليكون أكثر مناسبة كمدرسة لدار العلم وفي آخر ذي القعدة من عام 1358هـ افتتح مدرسة أخرى وبناء مسجداً لدى المسارحة , وكذلك مسجداً آخر ومدرسة بالرمادة , ثم افتتح مدرسة في المضايا . وفي العام 1359هـ أسس الشيخ أول مكتبة بصامطة تابعة للمدرسة اشتملت على العديد من أمهات الكتب والمراجع , وقد واصل الشيخ افتتاح مدارس بالقرى والمدن بمنطقة جازان ولم يأت عام 641365هـ إلاّ وعدد المدارس التي افتتحها يقارب من الأربعين مدرسة . وفي عام 1368هـ أسس أول مدرسة للبنات في صامطة , ومدارس أخرى للبنات في جميع أنحاء جيزان لاقت إقبالاً من السكان . وفي عام 1373هـ عين معتمداً للمعارف بجيزان , ولكنه لم يستمر في عمله إلاّ شهوراً قليلة ثم استقال . ولم تقتصر مدارس الشيخ القرعاوي على جيزان وصامطة, ففي عام 741375هـ صدر للشيخ القرعاوي أمر سام بفتح مدارس أكثر تشمل مناطق عسير بمدنها وقراها , ونجران وما يتبعها , وبيشة , والعرضية الشمالية والجنوبية , وبلقرن , وغامد , وزهران , والقنفذه , والليث , وحلي , وبادية الطائف , وكان ذلك التوسع قد جاء بدعم مالي من الملك عبد العزيز , ومن ولي عهده الأمير سعود بن عبد العزيز في عهد والده , ثم في عهده بعدما أصبح ملكاً للبلاد , حتى وصل عدد المدارس في تلك المناطق إلى أكثر من 2250مدرسة موزعة على أكثر مدن وقرى تلك المناطق , إضافة إلى فتحه مدارس في مكة وجده والقصيم بعضها للبنات . وبلغ عدد طلاب هذه المدارس ــ كما يذكر الشيخ نفسه ــ خمسة وسبعين ألف طالب . لقد كان الشيخ ينفق على هذه المدارس أول الأمر من ماله الخاص ومن صدقات المحسنين , وفي الغالب كان المسجد هو المدرسة , والمقاعد الدراسية هي الرمل , والأدوات المدرسية للطالب المبتدئ هي اللوح الخشبي والحبر المصنوع من الفحم أو الصمغ أو النورة , وفي بداية حركة الشيخ القرعاوي التعليمية كان يؤمن للطلاب أقلام الرصاص والدفاتر وبعض الكتب , وينفق على المغتربين , وقد ساعده بعض المحسنين , و كان التعاون قائما بينة وبين الطلبة والأهالي , ولكنة يتحمل العب الأكبر من النفقة والمجهود . أما منهج الدراسة في تلك المدارس فقد قسم الشيخ طلابه إلى قسمين قسم للمبتدئين وقسم للمتقدمين , وكلا القسمين يدرس مواد متنوعة منها : القران الكريم وتجويده والتوحيد , والفقه , والحديث , والمصطلحات , والسيرة النبوية , والخط , والحساب , والإملاء , والإنشاء , والنحو والصرف , والفرائض , وذلك بالتدرج من قراءة القرآن قراءة مرتلة مجودة , إلى حفظ المتون المختصرة من العلوم المذكورة , ثم الانتقال إلى قراءة المطولات في الحديث , والفقه , والتفسير , وقواعد اللغة العربية بحسب استعدادات الطلبة ورغباتهم , فكل مجموعة من الطلاب لهم كتب تتلاءم مع مستويات , وأسلوب تعليمي يتناسب معهم . وكان طلاب المدرسة الواحدة عادة أصحاب مستويات مختلفة وكان يجري توزيعهم من حيث مستواهم العلمي إلى فرق وفصول , فكبار الطلبة النابهون هم المعلمون لصغارهم والمتفوق في أي مادة يجعل معلماً لفئة من الطلاب , والذي يفهم الدرس سريعاً يعيده على زملائه فيصبح طالباً ومعلماً في آن واحد . وكان القرعاوي يجعل من كبار الطلبة الذين لازموه فترة طويلة معلمين في المدارس التي يفتتحها في القرى , ويوجه لكل بلد معلماً على مستوى يتفق وأهميتها , ومن الأهلية بمكان , وكان يراعي فيمن يختار للقيام بعملية التدريس أن يكون ممن يرى أن التعليم واجبًا عليه , مما يجعله يحتسب ويبذل الجهد ولا يتطلع بحرص إلى المقابل أو المكافأة , وبهذه الطريقة حصل على الكثير من المعلمين وبواسطة هذه النوعية من المعلمين استطاعت المدارس أن تؤدي دوراً بارزاً في نشر التعليم, وبناء المؤسسات الدينية والتعليمية في هذه المنطقة . وكان الشيخ يضع في كل منطقة مراقباً له يراقب سير التعليم التابع له . وبلغ من حماس الشيخ عبد الله القرعاوي لنشر التعليم في عسير وتهامة , أنّه كان يفتح المدارس دون إذن مسبق وهذا ما جعل الميزانية المخصصة لها من الدولة لاتفي بحاجة تلك المدارس , ثم بدأت تخفض ميزانية ثلث المدارس منذ عام 1377هـ فبدأت تلك المدارس يتناقص عددها , وفي عام 1380هـ صدر أمر بضم مدارس الشيخ عبد الله القرعاوي إلى وزارة المعارف , من أجل توحيد التعليم في البلاد . وهكذا انتشرت مدارس الشيح القرعاوي في عسير وتهامة , ووصل تأثيرها داخل بلاد اليمن , حيث عاد بعض طلابه اليمنيين إلى بلادهم وفتحوا في اليمن مدارس على غرار مدارس القرعاوي , كما أنّ طلاب مدارسه ـ الذين بلغوا الألوف ـ انتشروا في المملكة قضاة ومرشدين ومدرسين وأئمة جوامع ومساجد وموظفين حكوميين , بل أنّ منهم علماء لهم باع في العلم الشرعي ولعل من أبرزهم :الشيح حافظ بن احمد الحكمي المتوفي عام 1377هـ والشيح ناصر خلوفة طباش مباركي المتوفي عام 1393هـ وكلهم تخرجوا من مدارس الشيخ عبد الله القرعاوي ــ رحمة الله ــ ونهلوا من معينها. لقد بقي الشيخ القرعاوي داعياً إلى الله ومعلماً في منطقة عسير وتهامة , يبين للناس أمور دينهم ويصحح عقائدهم ويزاول الإشراف على تلك المدارس و يباشر بعض الدروس المهمة بنفسه أحياناً ليستفيد منها المعلمون والطلاب في آن واحد . ولم يزل الشيخ مقيماً في صامطة حتى أصيب بمرض نقل على إثره إلى مستشفى الرياض , فتوفي في اليوم الثامن من جمادى الأول لعام 1389هـ . وقد رثاه جملة من الشعراء منهم الشيخ علي بن قاسم الفيفي قاضي محكمة التمييز بمكة المكرمة , وهو من تلاميذ الشيخ , و مما جاء في قصيدته وهو يرثي شيخه : مصابك أدمى فؤادي الحزين ففاضـت له من عيوني عيون أمـات الذي كان في قطـرنـا سـراجـاً منيـراً به يهتـدون أمـات الـذي كـان إرشـــاده كبلسـم شـاف وكـالبنسليـن أمـات الـذي كان في قطرنا من العلم والرشد ما يجهلون فأحيـــا بـــه أمــة طــالمــا أماتـها الجهـل بعـد القـرون أبرز ملامح شخصيته: حقاً يعتبر الشيخ عبد الله القرعاوي أحد القيادات التربوية المتميزة في عصره , حيث اجتمعت فيه مجموعة من الصفات التي أهلته لتحقيق كل هذه الإنجازات على الرغم من صعوبة الظروف وقلة الإمكانيات , ومن أبرز هذه الصفات : – صدق النية . – الإيمان بمهمته . – المبادرة . – الصبر والتضحية . – علو الهمة . – بعد النظر . – القدوة الحسنة . – المعرفة الحقيقية بالرجال الذين يعتمد عليهم . – الإحسان والرحمة . – الإيثار والتواضع . إن هذه الصفات وغيرها جعلت من الشيخ عبد الله القرعاوي معلماً ومربياً ومنظماً وقائداً تربوياً يتعدى تأثيره الرجال الذين عاصروه إلى الأجيال التي جاءت من بعده . ختاماً: ومما يحسن الختام به في سيرة هذا الرجل العظيم , كلمات قلها عنه سماحة الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن آل بسام , عندما قال : والله إنني لا أعلم عملاً صالحاً يتقرب به الإنسان إلى ربه من هذا العمل الذي قام به هذا المجاهد , وذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم .