من نحن

..

الشيخ عبدالله القرعاوي : ولادته ـ نشأته ـ صفاته ـ وفاته : في غرة ربيع الأول من عام ثمانية وخمسين وثلاثمائة وألف للهجرة النبوية الشريفة ، نزل في مدينة صامطة رجل نجدي في هيئة تاجر متنقل ، يحمل قليلاً من بضاعة ذلك الزمان ، تنقل فيما حول تلك المدينة وتعرف على ضواحيها ، ثم ما لبثت الأيام أن أفصحت عن تاجر من نوع آخر ، أخذ يتنقل في مدن منطقة جيزان مدينة مدينة ، ولف قراها قرية قرية ، صعد الجبال بعزم أهلها ، وتحمل تلك البيئة الساحلية بغُبرتها ، ثم ما فتئ أن امتدت جهوده المباركة ؛ لتطال معظم مدن الجنوب وقراه ، افتتاحًا للمدارس والحلقات العلمية ، وبناءً للمساجد ، وحفرًا للآبار ، وتعليمًا للناس الخير وتبصيرًا لهم بأمور دينهم ، بل وإصلاحًا شاملاً دينيًّا ودنويًّا . لم يكن ذلك التاجر الداعية المبارك ، سوى الشيخ / عبدالله بن محمد بن حمد القرعاوي ـ رحمه الله ـ داعية الجنوب ، والذي تدين تلك المنطقة الشاسعة وأهلها لـه بكثير من الفضل بعد الله ـ سبحانه ـ في إخراجها من كثير من ظلمات الجهل والفقر إلى أنوار العلم والغنى . في هذه المنطقة النائية ، التي تعانق فقر أهلها مع ما كان يخيم عليها من جهل ومرض ، ولدت دعوة إصلاحية إغاثية مباركة ، قادها الشيخ العلامة القرعاوي على مدى أكثر من ثلاثين عامًا اتسمت بالخير والعطاء ، وما زال أولاد الشيخ وأحفاده وطلابه وطلابهم يرعون تلك الشجرة الباسقة ، وما زال الناس هناك صغارًا وكبارًا يهدبون ثمارها ويتفيؤون ظلالها . ولد الشيخ القرعاوي سنة 1315 للهجرة في مدينة عنيزة، وكان أبوه قد توفي قبل مولده بشهرين . والقرعاوي نسبة إلى (القرعاء) التي انتقلت إليها أسرة الشيخ فترة من الفترات ثم عادت إلى عنيزة لتعرف بعد ذلك بأسرة القرعاوي . تولت أمه رعايته وكفلته ، وهي المرأة الصالحة التي كانت تحرص على مجالس الذكر وحضور صلاة الجماعة في الأماكن المخصصة للنساء في المساجد ، فكان لهذه الأم الصالحة أكبر الأثر في تنشئته صالحًا ، وقد نشأ الشيخ في كنف أعمامه ومن أشهرهم الشيخ عبدالعزيز بن حمد القرعاوي وكان من وجهاء مدينة عنيزة . كان الشيخ رحمه الله رَبْعةً بين الرجال ، عريض المنكبين ، قوي البنية ، أصفر اللون ، مستطيل الوجه ، أقنى الأنف ، كث اللحية ، خفيف العارضين ، ناتئ الجبهة ، أرزج الحاجبين أقرنهما ، ضيق العينين . نلك بعض صفاته الخَلْقِيَّة ، وأما صفاته الخُلُقِيَّة فقد كان جهوري الصوت وقورًا ، مهيبًا ، دؤوبًا على عمله ، حاضر البديهة ، بعيد النظر ، له فراسة قوية ، كثير المبادرة إلى كل سبيل من سبل الخير ، يغضب للحق ويعيش من أجله ، شديد الغيرة على محارم الله ، أبي النفس لا يقبل الضيم ، ومع هذا كان حليمًا لين الجانب محبًّا للصغار ، عطوفًا على المساكين والعجزة من القوم ، كثير الذكر لله ـ عز وجل ـ متبعًا للسنة في كل شأنه متأسيًا بالنبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ على كل أحواله . وقد بدت على الشيخ عبدالله القرعاوي منذ صباه ملامح النجابة والذكاء ، والعمل فيما ينفع ، ساعده عمه عبدالعزيز حتى كون له بضاعة ثم جعل يسافر معه إلى بلاد الشام لمزاولة التجارة ، فما لبث حتى صار يمارس التجارة بنفسه ويسافر وحده ، وبعد أن تزوج وتحسن وضعه المادي ، انصرف لمزاولة الفلاحة إلا أنه لم يجد فيها ما يغطي حاجته ، ففتح له دكانًا في عنيزة ، إلا أنه لم يسد حاجته إلى جانب الزراعة ، فعاد لمزاولة التجارة مرة أخرى ، حتى وفقه الله فانصرف لطلب العلم . وكان في أيامه تلك محبًّا للخير آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر ، يصدع بالحق ولا تأخذه في الله لومة لائم ، وكان يتجول في شوارع عنيزة وأسواقها لهذه الغاية النبيلة ، فلا يرى متخلفًا عن الجماعة في المسجد أو امرأة لابسة شيئًا من زينتها إلا علاهما بعصاه أو زجرهما بلسانه ، فصارت له هيبة وسطوة لدى الكسالى والمتهاونين . وما زال الشيخ يطلب العلم ويعلمه ويدعو إلى الله ـ عز وجل ـ على مدى أربعة وسبعين عامًا ، إلى أن توفاه الله ـ عز وجل ـ بعد عمر حافل بالعلم والدعوة والأعمال الخيرية ، وقد كانت وفاته على إثر مرض ألم به وهو في جيزان ، ثم نقل إلى الرياض وأدخل المستشفى ، وبها توفي في شهر جمادى الأولى عام 1389 للهجرة . رحمه الله رحمة واسعة .