حكايا ووثائق

..

طلبه العلم وبدؤه الدعوة : مع شغف الشيخ بمزاولة التاجرة إلا أن أمه تلك المرأة الصالحة كانت ترغب في طلبه للعلم ، ولذا فقد كانت تدعو الله ليل نهار أن يشرح صدره للعلم ، وقد أجاب الله دعاء تلك الصالحة ، فأوقف الشيخ تجارته وهو ما يزال شايًّا جلدًا ، ورحل إلى العراق ونزل مدينة البصرة ، ولم يكن رحيله للعراق لقلة العلماء في بلده ، ولكنه رغب في أن يتفرغ هناك لطلب العلم ، بعيدًا عن المشغلات والملهيات . وفي البصرة التقى أحد المشايخ النجديين المقيمين بها ، فنصحه بالتوجه إلى الهند والتي كان بها في ذلك الوقت نخبة ممتازة من العلماء وخاصة في علم الحديث ، وبعد أن استخار الشيخ ربه سافر إلى الهند في عام 1344 للهجرة ، وتجشم في سبيل ذلك المصاعب والمتاعب حتى وصل إلى (بومبي) ، ومنها توجه إلى (دلهي) بناء على مشورة من بعض طلاب العلم الذين التقى بهم هناك . وفي (دلهي) التحق بالمدرسة الرحمانية ، تلك المدرسة السلفية المشهورة ، وفيها انتظم وعكف على طلب العلم ، وواصل سهر الليل بتعب النهار ، وكان يزور المشايخ في بيوتهم ويدرس على أيديهم ويأخذ عنهم الإجازات العلمية . وبينما هو منهمك في هذه اللذة العظيمة ، إذ جاءه الخبر عن مرض أمه فاستأذن شيوخه وعاد إلى بلده ، غير أنه تفاجأ عند وصوله بوفات والدته قبل مجيئه . رغب الشيخ في الإقامة ببلده عنيزة ، وأقام مدرسة صغيرة لأبناء البلد ، فالتف حوله مجموعة من التلاميذ الصغار ، فشرع يعلمهم كتاب الله وحفظهم بعض الأحاديث ، ودرسهم ما رآه مناسبًا في التوحيد والتجويد ، ودربهم على الكتابة ، وكان في تلك الأثناء لا يفتأ يتجول في المساجد للوعظ والإرشاد في بلدته وبغض القرى المجاورة ، آمرًا بالمعروف ناهيًا عن المنكر ، وقد قرأ في هذه الأثناء على بعض علماء عنيزة والرياض والمجمعة . ثم رحل الشيخ مرة أخرى للهند في سنة 1354 للهجرة ، ونزل بالمدرسة الرحمانية في (دلهي) ، واستأنف دراسته بجد ونشاط دائبين ، وبرغبة لا تعرف الكسل ولا الملل ، وكعادته لم يقتصر الشيخ على دراسته بالمدرسة فحسب ، بل كان على اتصال بالعلماء، يذهب إليهم في أماكن بعيدة ، ويتجشم لذلك صعود الجبال وسلوك الطرق الوعرة . وقد أكمل الشيخ دراسته النظامية ومنح إجازة علمية عالية من شيخه رئيس المدرسين أحمد الله بن أمير القرشي الدِّهلَوِي ، وقد بين الشيخ أحمد في إجازته للشيخ عبدالله أهليته العلمية وفضله ومكانته بين العلماء ، وذكر فيها أسماء الكتب التي درسها عليه وأجازه بتدريسها . وقد عرض عليه التدريس بمدرسة في تلك البلاد ، يكون مديرًا لها لكنه فضل العودة إلى بلاده ، ونزل مدينة الرياض التي قدم عليها في رمضان من سنة 1357 للهجرة ، وأقام عند شيخه الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ . وفي هذه الأثناء ذهب إلى الأحساء ودرس عند الشيخ عبدالعزيز بن بشر ، ثم رحل إلى قطر وقرأ على الشيخ محمد بن مانع ، وقد قرأ عليهما كليهما في الحديث . بعد عودته من قطر والأحساء قصد مكة المكرمة في آخر ذي القعدة من عام 1357 للهجرة ، والتقى شيخه الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ واستفاد منه في هذه الفترة ، وتردد على مدرسة الحلواني بمكة لدراسة بعض المواد التي لم يدرسها من قبل كالحساب . وفي أثناء وجوده بمكة اشترى مجموعة قيمة من الكتب والمراجع ، وكان كثير التردد على مجالس شيخه ابن إبراهيم ، وقد سمع في تلك المجالس كما كان قد سمع من قبل في الرياض عما انتشر في بعض المناطق من الشرك والجهل ووقوع الناس في التبرك بالأولياء وقبور بعض الصالحين ، ومن تلك المناطق منطقة الجنوب ، وفي تلك الفترة عُرِض عليه القضاء فلم يرض به ، ثم عرضت عليه إدارة مدرسة المجمعة أو بريدة ، أو أن يكون معلمًا في دار الحديث بمكة أو إمامًا فلم يرق له شيء من ذلك ، فقد كانت نفسه متعلقة بأمر الدعوة إلى الله والإصلاح ولا سيما في منطقة الجنوب . وقد ورد عن بعض طلاب الشيخ وهو الشيخ محمد بن جابر المدخلي رحمه الله أن الشيخ في إحدى الليالي وبعد أن انصرف من عند شيخه ابن إبراهيم رأى النبي ـ عليه الصلاة والسلام ـ في المنام ، وكان يشير بيده الشريفة عليه أن يتوجه إلى الجنوب ، وأن الشيخ بات من ليلته يفكر في هذا الأمر بجد ، بل عزم عليه ، وأجمع أمره على الذهاب إلى منطقة جيزان ، فخرج من مكة إلى جدة ، ومنها توجه عن طريق البحر إلى جيزان . ومهما يكن من أمر تلك الرؤيا التي رآها الشيخ في منامه ، فقد كان ـ رحمه الله ـ مسددًا وموفقًا ، بل صاحب نظرة بعيدة ثاقبة ، امتطى لتحقيقها مركب الصبر ومطية الحكمة . نعم ، لقد كان الشيخ موفقًا وذا رأي سديد وهدف سامٍ بعيدٍ ، عندما اختار تلك المنطقة التي لا شيء يربطه بها ، سوى الأمل في أن يخرج الله من رجالها من يعبد الله على علم ، ويدعو إلى دينه على بصيرة . وقد تحقق للشيخ كثير مما أراد ، ففتح الله ببركته أعينًا عميًا وآذانًا صمًّا ، وافتتحت على يديه مدارس كثيرة ، وبنيت مساجد وحفرت آبار ، وبدأت قصة مشروعات خيرة ، لم تقتصر على منطقة جيزان فحسب ، بل امتدت لتشمل ما جاورها من مناطق الجنوب ، بل وبعض جهات اليمن ، فرحم الله الشيخ عبد الله رحمة واسعة ، وجزاه خير الجزاء على ما قدم لدينه وأمته . واليوم ونحن ندخل العقد الخامس بعد وفاة الشيخ ـ رحمه الله ـ إلا أن الزائر لأي مدينة أو قرية من قرى الجنوب عامة ، ومنطقة جيزان بوجه خاص ، لا يكاد يحصي ما تتفوه به أفواه الناس هناك وتنطق به ألسنتهم ، من ثناء على الشيخ وإطراء له ، وترداد كثير من المواقف والأحداث التي جرت للشيخ هناك ، وأفصحت عن مدى حكمته وصبره ، وطول نفسه وبعد نظرته . وإنك لتعجب وأنت تتجول في تلك القرى التي يكاد اليأس يلتهم قلبك قبل بلوغها حين تجد فيها من يحدثك عن الشيخ عبد الله ودموعه تخضل لحيته ، داعيًا له ومترحمًا عليه . والزائر لتلك المنطقة ، حين يلقى بعض طلاب الشيخ أو من رأوه أو تعلموا على يده ، لا يفتأ يسمع منهم مواقف حصلت للشيخ ـ رحمه الله ـ إما مع طلابه أو مع بعض العامة ، وكانت السمة العامة لهذه المواقف هي الحكمة ، التي يجمع من رأى الشيخ وصاحبه وتتلمذ على يده أنها كانت من أبرز ما يميزه ، وأن الفضل يرجع إلى اتصافه بها بعد توفيق الله في نجاح الشيخ في مسيرته التعليمية والدعوية . ومن شديد الأسف أنه ومع أهمية هذه المواقف والأحداث وكثرة ما فيها من العبر على وجازة بعضها وقصره ، إلا أننا لم نر أيًا من المهتمين بالدعوة ، سواء من طلاب الشيخ أو غيرهم ، من انبرى لها بالتسجيل أو التقييد ، وإظهار ما فيها من الدروس الدعوية العظيمة ، والتي ينبغي أن يستلهمها رجال الدعوة اليوم . ومع أن عددًا من طلاب الشيخ ـ أثابهم الله ـ كتب عن حياته وسيرته وأرخ لبعض ما حصل لـه ، إلا أننا ما زلنا نطمح إلى أبعد من ذلك التسجيل المجرد ، ما زلنا نطمح إلى سبر لأعماق تلك المواقف العظيمة ، لاستخراج ما تنطوي عليه من كنوز دعوية مباركة ، لا يستغني عنها كل من تصدى لمثل ما تصدى لـه الشيخ ـ رحمه الله ـ من الدعوة وهداية الناس إلى طريق الله المستقيم ، إذ إننا نرى كثيرًا من الدعاة يفتقدون الحكمة التي هي من أهم صفات الداعية ، والتي كان الشيخ قد أوتي منها شيئا كثيرًا ، ولذا نفع الله بدعوته ، ولقي قبولاً من الناس في تلك المنطقة وفي مثل ذلك الوقت . ومع أن الناس في زمننا هذا أكثر تفتحًا وأشد رغبة وإقبالاً على الدين بعد أن ذاقوا الويلات تلو الأخرى بسبب بعدهم عنه ، إلا إنهم بحاجة إلى شخصية حكيمة موفقة ، كشخصية الشيخ القرعاوي ، تمتص سورة الغضوب ، وتكبح جماح الشارد ، وتقنع بالبيان وتقرع بالحجة ، حتى يستبين الحق وتنار المحجة . وإن ترك مواقف الشيخ وقصصه وما جرى له من أحداث دون تسجيل لها ودراسة ونشر ، إنه لغبن فاحش تمنى به الدعوة والدعاة ، ثم إن طلاب الشيخ ومن عاش في عصره آخذون في التناقص بشكل مخيف حقًّا ، حيث اخترمت يد المنون كثيرًا منهم ، ولم يبق إلا قليل من كثير ، رحم الله من تقدم وأسكنه الفردوس الأعلى من الجنة ، ومتع الله من بقي بالصحة والعافية وختم لـه بخير ، فلعل أبناء الشيخ ومن بقي من طلابه يتداركون ما بقي ، ويحصرون مواقف داعية كالشيخ عبد الله يصعب حصرها على من عايشه ورآه ، فكيف بمن بينه وبينه عقود وسنوات ...