نشاطات فردية ( تجارية )

..

حالة المنطقة قبل الشيخ القرعاوي ومجيء الشيخ لها : كانت حالة منطقة الجنوب الدينية كما هي في كل بلد في تلك الفترة ، إذ كان الدعاة قليلين ، والمصلحون ندرة ، وكان الناس مع أنهم يحافظون على أداء الشعائر الظاهرة كالصلاة والصيام وغيرها ، إلا أن الأساس لديهم لم يكن متينًا ، بل كانت القاعدة مخرومة ، وكان الجهل سائدًا ، وانطمست الأصول لدى كثيرين ، وانتشرت الاعتقادات الفاسدة ، وفشت فيهم الشركيات ، كتقديس من يسمونهم بالسادة والأولياء ، والتبرك بالقبور والبناء عليها ، والذبح والنذر لأهلها الأموات ، واعتقاد النفع والضر فيها ، وإتيان السحرة والمشعوذين والكهان وتصديقهم . كما كانت ثمة منكرات أخرى من أهمها إقامة الحفلات المختلطة نساء ورجالاً والسفور العام ، ومخالفة السنة في الختان ، وانتشار حفلات الزار والطبول . وأما التعليم فقد كان مقتصرًا على الكتاتيب ، وهي مع ضعفها كانت معدودة محدودة ، وكان التعليم فيها مقتصرًا على مبادئ القراءة والكتابة . لم يكن في المنطقة علماء سوى عدد محدود جدًّا تيسر له السفر إلى اليمن والدراسة في بعض حواضرها . ولم تكن ثمة جهود دعوية أو إصلاحية واضحة إلا جهود يسيرة بدأها بعض من أوفدتهم الحكومة آنذاك من القضاة ، وكانت مع قلتها محصورة في مقار أعمالهم ، وكانت في مراحلها الأولى لقرب عهد المنطقة بحكم الدولة السعودية . وقد كان أول قدوم الشيخ عبدالله القرعاوي لجيزان في ربيع الأول من عام 1358 للهجرة ، حيث نزل في مدينة صامطة عند قاضيها عبدالرحمن المحيميد ، ثم ما لبث أن استأجر له دكانًا في وسط البلد قريبًا من المسجد الجامع ومن مركز الإمارة ، وظل يتردد على الأمير والقاضي ، ويدعو إلى الله في المساجد . وقد كان لدى القاضي مجموعة من الطلاب يدرسون عليه ، فاستأذنه الشيخ عبدالله أن يدرسهم فأذن له لكونه مشغولاً بأعمال القضاء ، فبدأ الشيخ من دكانه يدرس هؤلاء الفتية بتحفيظهم قصار السور وتعليمهم أحكام التجويد ومبادئه ، وكان هذا الدكان المبارك هو المدرسة الأولى التي انطلق منها الشيخ للتدريس والدعوة ، وبها افتتح سلسلة مدارسه المباركة في الجنوب . وقد وجد في أول أيامه مدرسة أهلية يدرس فيها رجل من أهل صامطة يقال له محمد ماطر رضوان ، يدرس فيها القرآن ويعلم الكتابة ، فجعل الشيخ يزور هذه المدرسة ويتردد عليها بين حين وآخر ، ويجلس مع طلابها ومع شيخهم ، ويسمع قراءتهم وينظر إلى كتابتهم ، فأعجبه ذلك ، فما كان منه إلا أن شجع الطلاب وقدم لهم بعض الهدايا من دفاتر وأقلام وبعض النسخ النافعة من المواد التي يدرسها لطلابه ، وحرص على أن ينشؤوا على عقيدة صحيحة وروح إسلامية ، وزود أستاذهم بما يحتاجه من المال تشجيعًا له على عمله الطيب . ذاع صيت الشيخ وقدم إليه كثير من الطلاب من القرى المجاورة ، وزاد نشاطه في التعليم وتوعية الناس ودعوتهم ، وعالج بصحبة بعض طلبته كثيرًا من الأمور الشركية وأزال عددًا من البدع والخرافات ، وقضى على كثير من المنكات كالاختلاط في الألعاب الشعبية في المناسبات كالزواج والختان والأعياد ، وأبطل قراءة المولد ونهاهم عن الزيارة البدعية والشركية للأضرحة والقبور ، وباشر بنفسه إزالة المنكرات مما أوغر صدور أعداء الدعوة عليه ، فعارضوه معارضة شديدة ، أدت إلى خروجه من صامطة متوجهًا إلى جيزان ، ومنها خرج بمشورة أمير جيزان إلى جزيرة فرسان وفتح بها مدرسة ، واشتغل بالوعظ والإرشاد ، وظل فيها شهرًا كاملاً ، غير أن طلابه بمدينة صامطة الذين أحزنهم خروج شيخهم الفاضل لم يسكتوا فكتب أحدهم وهو الشيخ ناصر خلوفة طياش المباركي رسالتين إلى أمير جيزان يستعطفه ويطلب منه عودة شيخه إلى مدينة صامطة ، فعاد الشيخ إلى مدينة جيزان ، إلا أنه مر بقرية يقال لها مزهرة ولبث بها قليلاً ، غير أن تلميذه البار ناصر خلوفة لم يلبث أن أرسل لأمير جيزان يناشده الله في عودة شيخه ، بل بحث عنه ، إلى أن التقى به في مدينة أحد المسارحة ومنها عادا إلى صامطة التي فرحت بعودة الشيخ إليها بعد أن غاب عنها شهرين كاملين ، وقد استأنف الشيخ نشاطه في هذه المدينة ، وبنى مدرسة بنفسه ومساعدة طلابه ، وقد بناها في بيت الشيخ ناصر خلوفة نظرًا لأنه كان مقعدًا ويصعب عليه الانتقال من مكانه وهو حريص على ملازمة شيخه وإخوانه الطلاب وما زال الشيخ يرعى مدرسته في صامطة ، وهو في ذلك يزداد شهرة في المنطقة يومًا بعد الآخر . ومن قرية الجاضع كتب الشيخ حافظ الحكمي للشيخ عبدالله رسالة ، وكان وقتها فتى يرعى الغنم ، وأرسلها رسالته مع أخيه الأكبر الشيخ محمد ـ رحمهما الله ـ فأعجب الشيخ بحسن خطه وقدرته على التعبير مع حداثة سنه ، وكان قد دعا الشيخ لزيارة قريته ، فما كان من الشيخ إلا أن لبى الدعوة ، ولبث في الجاضع وقتًا ، إلا أن إصرار طلابه في صامطة دفعه للرجوع إليهم ، فما كان منه إلا أن رجع بعد أن أسس في الجاضع مدرسة ، وحث الطلاب على طلب العلم والسفر إليه في صامطة ، فاستجاب بعضهم ممن كانوا مكافحين ووجدوا الفرصة ، وبقي آخرون ممن لم يتمكنوا لظروفهم . وكان ممن التحق به الشيخ حافظ وأخوه محمد وغيرهم ، وكان الشيخ حريصًا عليهم ، حتى إنه كان ربما جاءهم بنفسه إذا تأخروا ليواصل معهم ما فاتهم بسبب غيابهم . وهذا من حرصه ـ رحمه الله ـ على على إفادة طلابه وتعليمهم . وقد افتتح الشيخ في هذه الأثناء بعض المدارس والمساجد في مركز المسارحة بناء على طلب من شيخ قبائل المسارحة . وفي عام 1360 للهجرة قام الشيخ بتوسعة مدرسته في صامطة وخططها على طراز المدارس الحديثة ، حيث جعلها مكاتب وفصولاً دراسية ، فكثر الطلاب وزادتهم رغبتهم في هذه المدرسة . وقد بلغ عدد الطلاب أكثر من مئة وثلاثين طالبًا مما اضطر الشيخ إلى الاستعانة بطلابه الكبار ، وأسند إليهم تدريس المبتدئين ، وقد كان قبل ذلك قد كلف أولئك الطلاب الكبار بحفظ المتون الشرعية واللغوية وشرحها لهم واهتم بتدوينهم لما يقوله ويفصله لهم وقد كثر طلاب الشيخ من جميع مدن وقرى المنطقة ، بل أتوا إليه من الخارج من اليمن والحبشة والصومال ، وقد اهتم الشيخ بأمر طلابه الوافدين ، إذ كان أغلبهم من الفقراء والغرباء ، فوزعهم من حيث السكن ما بين المدرسة والمساجد القريبة ، واتفق مع أصحاب الآبار لإيصال الماء إليهم ، ووفر لهم الأوعية اللازمة والغذاء . وبعد ذلك توالى افتتاح المدارس في الجنوب ، في الجرادية ، والنجامية ، واللقية ، وبيش ، والحصامة ، وقد كانت الظروف تدعو بعض الطلاب للانقطاع عن الشيخ أحيانًا والذهاب مع أهليهم في أوقات الجدب والبحث عن مراعي لمواشيهم ، غير أنهم كانوا ينشرون دعوة التوحيد في مسيرهم ويعلمون الناس الخير ، ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر . من أسباب نجاح دعوة الشيخ ـ رحمه الله ـ في دعوته : · بدؤه ببناء القاعدة الكبرى التي بنيت عليها دعوات الأنبياء والمصلحين من قبله ألا وهي العروة الوثقى ، كلمة الحق والصدق والإخلاص ، لا إله إلا الله محمد رسول الله ، فقد جعل الشيخ منهجه الذي جدد به الدعوة الرجوع بالقلوب إلى العقيدة الصادقة والتوحيد الصافي وأن تكون العبادة وفقًا لما جاء به محمد ـ صلى الله عليه وسلم ـ . · سلوكه منهج البساطة وعدم التكلف أو افتعال الأعذار والعقبات ، ومن ثم فقد كان الشيخ ـ رحمه الله ـ حريصًا على نشر العلم في كل فرصة تسنح له ، فكان البيت مدرسة والمسجد مدرسة والشجرة مدرسة وبطن الوادي مدرسة ورأس الجبل وهكذا ، فبساطة المدارس سهلت انتشارها في كل مكان ، إذ لم تكن تلك المدارس أحيانًا سوى شجرة يستظل بها الطلاب مفترشين التراب والحجر أو الخصف البالي . · تنقل تلك المدارس في القرى والبادية من مكان لآخر حسب ظروف أهل المنطقة ، وعدم استقرارها في مكان واحد لا تبرحه . · الاهتمام بالبوادي والقرى التي كان يسيطر عليها الجهل وتعميم الخير على الجميع ، لا يخص به أحد دون آخر ، فالقصد هو علاج ما كان ينتشر إذ ذاك من أمراض القلوب كالشركيات والخرافات والبدع . · سلوكه في الدعوة سياسة ناجحة ذات أثر كبير ، ألا وهي أنه كان يختار من كل قوم أو قبيلة الرجل البارز القوي في قومه ، صاحب الكلمة النافذة ، فيرشحه للعمل في مدارسه مراقبًا ومتابعًا ، وقد كسب بهذا أمرين : 1. سهولة التأثير فيمن تحت هذا الرجل ، إذ الناس في الغالب تبع للقوي فيهم . 2. تأليف قلوب بعض أصحاب النفوذ واتقاء شرهم والتخلص من معارضتهم ، بل ونقلهم من دَرَكِ المعارضة للخير إلى درجات المشاركة السامية في رفع لواء الخير . · حرصه على تعليم أبناء رؤساء القبائل ، ومصاهرتهم لكسب ودهم ليكونوا أنصارًا للدعوة . · تحمل الشيخ لكثير من الصعاب ، فقد كان ـ رحمه الله ـ يتنقل على دابته ويطوف أرجاء المنطقة متنقلاً بين القرى والبوادي ، من شعف الجبال وبطون الأودية ، وقد عرف عنه ـ رحمه الله ـ شجاعته في تلك الأسفار وإقدامه . · اهتمامه بالمنهج الصحيح ، حيث حرص على جعل العلم عملاً وواقعًا ، إذ حرص على التنقل بين الناس في بيوتهعم وأسواقهم ومساجدهم واجتماعاتهم الكبيرة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر · دخوله على هيئة تاجر ، وجعله التجارة وسيلة ومدخلاً للدعوة والاتصال بالناس وتقديم الهدايا لهم لتأليفهم . · بذله في سبيل الخير ما في وسعه ، ودفعه المال للإصلاح ، ومن أمثلة ذلك أنه فكر في القضاء على حفلات الختان ، فأعلن في المدرسة إعلانًا لجميع الطلاب أن من جاء به ولي أمره وأجرى له عملية ختان داخل المدرسة دون اختلاط ونفقات سيئة أنه مستعد بالنفقة التي تلزم ولي أمره بعد الختان ، وعندما سمع الأهالي بذلك بادر بعضهم بختان أولادهم داخل المدرسة ، وبهذا تركوا الألعاب المنكرة والأعمال السيئة ، واستمرت عملية الختان في المدرسة طول حياة الشيخ ـ رحمه الله ـ